آلية تقديم جلسات الحكي للصغار.. مرحلة ما بعد الحكي

عرض لفترة محدودة تخفيض إضافي 5% طوال شهر يوليو

بعد انتهائنا من قراءة أي قصة مع الأطفال، لا ينتهي الأمر عند ذلك الحد، بل هناك مرحلة مهمة تأتي بعد القراءة، وتتضمن العديد من الأنشطة التفاعلية الداعمة المستخلصة من القصة والقائمة عليها، وتسمّى تلك الأنشطة بالإنجليزية: (Story-stretching ideas or activities).

وتعتبر هذه المرحلة من الأهمية بمكان؛ إذ إنها تساعد في تعزيز فهم الأطفال للقصة بعمقٍ أكبر، وتزيد من تفاعلهم مع أحداث القصة والدروس المستفادة منها، كما أنها تشجعهم على تحليل القصة للوصول إلى قدرٍ أكبر من الاستيعاب، مع التطبيق العملي لما تعلموه منها.

وقد تعرّفنا في مقال “آليَّة تقديم جلسات الحكي للصغار.. مرحلتا التجهيز والحَكْي” على مرحلة التجهيز والإعداد لجلسة الحكي مع الصغار، وكذلك تعرّفنا على المهارات المطلوبة من الرّاوي (الحكواتي) أثناء مرحلة الحكي.

وسنتعرّف في هذا المقال- إن شاء الله- على المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تقديم ورشة حكي متكاملة للصغار، وهي مرحلة ما بعد الحكي، والأنشطة المصاحبة المناسبة لكل قصة.

1- التعبير الشفوي والمواقف الشخصية:

بعد الانتهاء من الحكي تمامًا، تتم مناقشة الأطفال بشكل شفوي عن أحداث القصة ورأيهم فيها، ونفسح لهم المجال للتعبير عن تجاربهم الشخصية التي تتناسب مع أحداث القصة بكل حرية. 

يحب الأطفال هذه الفقرة كثيرًا؛ فهم يتكلمون فيها بكل عفوية وأريحية، دون خوفٍ من أن تكون إجاباتهم خاطئة. ويساعد هذا النشاط على إكساب الطفل الثقة والشجاعة للتحدُّث بطلاقة أمام الجميع، كما يساعده على ترتيب أفكاره، واستحضار المواقف الشخصية المناسبة للقصة من ذاكرته.

2- قراءة الرسوم:

هذه الفقرة من الأنشطة- ومن خلال تعاملي مع الأطفال في ورشات الحكي- تكون من أمتع الفقرات، حيث ينتظرونها بشغفٍ كبير، ويطلبونها بالاسم إن قُدِّمت أنشطة أخرى قبلها. وفيها نعود مرة أخرى لصفحات القصة لنطرح أسئلة كثيرة ومتنوعة عن رسوم القصة، بداية من الغلاف، ومرورًا بكل صفحة من صفحات القصة. 

يمكننا طرح أسئلة عن عدد الأشجار، أو الزهور، أو الطيور، أو الغيمات في الصفحة، وكذلك يمكننا السؤال عن ألوان الملابس التي ترتديها شخصيات القصة، وباستطاعتنا السؤال كذلك عن أسماء أدوات معينة تظهر بالرسوم، وأيضًا عن شخصيات لم تُذكر في أحداث القصة، وإنما ظهرت في الرسوم فقط، وغيرها.

على سبيل المثال: في قصة (مرة واحدة- دار عالية)، سألتهم: ما هو الحيوان الأليف الذي كانت تربيه بطلة القصة (نانا)؟ لم يُذكر ذلك في أحداث القصة، وإنما ظهر في الرسوم فقط. وفي قصة (إني صائم- دار كتب شيرين)، سألتهم: ما هو عمل والد البطل؟ لم يُذكر الأمر أيضًا في أحداث القصة، وإنما من خلال الرسوم يمكننا معرفة أنه كان يعمل (عطّارًا)، وأذكر يومها أنهم قالوا يعمل (بُهاراتي) نسبة إلى البهارات. وفي قصة (خروف العيد- دار السلوى)، ظهرت في رسوم القصة أدوات قديمة كان الناس يستخدمونها في حياتهم مثل (الرّحَى) و(الكِِليم)؛ فسألتهم عنها، وإن كانوا يعرفونها، وبالطبع لم يعرفها أحد، فكانت فرصة جيدة للتعرّف على تلك الأدوات واستخداماتها، والتحدُّث عن حياة الناس قديمًا.

أيضًا، من ضمن الأسئلة المثيرة التي كانت تعجبهم، أن أطلب منهم التحديق في صفحتين متقابلتين من القصة لمدة دقيقة واحدة، وأطلب منهم التركيز في تفاصيلها، ثم أغلقها وأسألهم سؤالًا عن الرسوم يحتاج للانتباه والتركيز، وأستمع لإجابات الجميع، ثم أفتح لهم الصفحات مجددًا ليكتشفوا هل إجاباتهم صحيحة فعلًا، أم يحتاجون لتركيز أكبر.

نشاط قراءة رسوم القصة يساعد الأطفال على تنمية مهارات التركيز والانتباه، كما يساعدهم بشكل غير مباشر على اكتشاف الأساليب الفنية، وطرق الرسم المتنوعة، والتعلُّم منها.

3- الرسم والأشغال الفنية:

خلال ورشات الحكي العامة، تكون فقرة نشاط الرسم الفقرة الأساسية دومًا، واخترت أن يتشارك الأطفال الرسم في ورقة كبيرة واحدة، بدلًا من أن يكون لكل واحد منهم ورقة مستقلة. 

أطلب من الأطفال استلهام شخصية أو رسمة ما من أحداث القصة التي قرأناها، وأتركهم يعبرون بشكل حر دون تقييد. في البداية، لم يحبّوا فكرة مشاركة ورقة الرسم، وكانوا يريدون ورقة مستقلة لها حدود معروفة، لدرجة أن بعضهم كان يرسم مربعًا على الورقة الكبيرة ليتمكن من الرسم بداخله، ولكن مع مرور الوقت، بدؤوا يتأقلمون مع الفكرة، وأحبّوا موضوع المشاركة، بل وبدؤوا يَصِلون بين كل رسمة وأخرى برسمة أخرى، أو خطوط تمثل صلة أو رابطًا ما بين الرسمتين.

في جلسات الحكي المنزلية أو ورشات الحكي ذات الأعداد القليلة، يمكن عمل أشغال يدوية وفنية مع الأطفال، لكن الأمر يصبح أصعب إذا زاد عدد الأطفال في الورشة. 

في الجلسات المنزلية مع أطفالك، يمكنك بكل سهولة تطبيق عمل فني أو يدوي بالتطريز، أو الأوريجامي، أو الصلصال، وغيرها من الأشغال اليدوية والفنية. أما في الورشات العامة التي تضم أطفالًا كثيرين، فيمكن بين الحين والآخر تطبيق عمل يدوي بسيط وخفيف.

يساعد هذا النشاط الأطفال على تنمية المهارات الفنية الإبداعية، ويمكِنهم من خلاله التعبير عن أنفسهم وتفضيلاتهم الشخصية، ويطلق العنان لمخيّلاتهم، ويساعدهم كذلك على التعرف على أنواع جديدة من الفنون وأساليب الرسم.

4- الأنشطة الحركية:

تساعد الأنشطة الحركية المصاحبة للقصة الأطفال على التفاعل وتفريغ الطاقة، وكما ذكرت سابقًا، فإن الأنشطة الحركية تدمج الطفل في أحداث القصة، وتجعله متعلمًا متفاعلًا لا مجرد مستمعٍ متلقٍ للمعلومة فقط. 

ومن الأنشطة الحركية التي طبقتها من قبل خلال ورشة حكي عامة، نشاط البحث عن الكنز كتطبيق مستوحًى من قصة (البحث عن الكنز- بيت ريما للحكايا)؛ حيث خبّأت بعض القصاصات الورقية التي كتبت عليها عبارة معينة في أرجاء الحديقة؛ تحت المقاعد، وأسفل الشجر، وبالقرب من الشجيرات، وأسفل المظلات، ثم كوّنت عدة مجموعات، تضم كل مجموعة عددًا من الأطفال (قرابة 4 أطفال في المجموعة الواحدة)، وطلبت من كل مجموعة البحث عن تلك القصاصات في مكان معين حدَّدته لهم، ومن ثم جمعها والعثور عليها جميعها قبل المجموعات الأخرى. ركضوا وبحثوا وتسلّقوا هنا وهناك للعثور عليها، وكان نشاطًا حركيًّا ممتعًا.

5- الأنشطة الحسية:

نستخدم فيها الخامات الطبيعية المختلفة؛ الرمال، وأغصان الشجر، وأوراق الشجر، والحصى الصغير، والمياه، وغيرها من الخامات التي تصادفكم، ويمكن تنفيذها مع القصص المناسبة بالطبع، وليس مع كل القصص. 

على سبيل المثال، استخدمنا الأنشطة الحسيّة بعد حكي قصة (ثماني كرات- دار عالية)؛ حيث قام الأطفال بعمل نموذج للمجموعة الشمسية والمدارات على الأرض الرملية، واستخدموا الحصى والبلورات الزجاجية لتمثل الكواكب والشمس.

6- البطاقات وأوراق العمل:

بعض القصص تكون مصحوبة ببطاقات وأوراق عمل جاهزة، أو أقوم باختيار أو تصميم مطبوعات وأوراق عمل بنفسي، وأوزّعها على الأطفال، ويقرأ كل واحد منهم إحدى البطاقات، وأطبع لهم نسخًا متعددة من أوراق العمل للتعلم عن قيمة معينة تتضمنها وتدعو إليها أحداث القصة، أو لتلخيص أحداث القصة أو الكتاب. 

على سبيل المثال، في جلسة الحكي المنزلية نستخدم كتاب (أ ب الحيوانات- دار الحدائق)، فصمّمت ورقة عمل بسيطة مقسّمة إلى عدة خانات، تطلب من الطفل الكتابة عن اسم الحيوان، وصفاته، ومكان تواجده، ونوع طعامه، وعائلته، وصغاره، وخانة لرسم شكل الحيوان.

7- تمثيل القصة:

يحب الأطفال هذا النشاط بالتأكيد، وتملأ البسمة وجوههم، وتتعالى ضحكاتهم عند إعادة تمثيل أحداث القصة، وخاصة عندما يضيفون إليها لمساتهم المضحكة. 

اطلبي من الأطفال إعادة تمثيل القصة بطريقتهم، حيث يساعدهم ذلك على التعبير عن أنفسهم ومشاعرهم، وينمّي حصيلتهم اللغوية، ويزيد من ثقتهم بأنفسهم وقدراتهم، كما أنه يفيد في تعزيز عملية (التفكير التبايني)، وهو عملية تفكيرية تستخدم لتوليد الأفكار الإبداعية، من خلال استكشاف العديد من الحلول الممكنة.

في إحدى ورشات الحكي، وبعد قراءة قصة (ريم تريد كل شيء- دار المستقبل للتعليم الإلكتروني)، قام الأطفال بتمثيل القصة بأنفسهم، خاصة أن إحدى الفتيات المشتركات في الورشة كان اسمها (ريم) على اسم بطلة القصة. تقمص الأطفال شخصيات القصة، وتقمصت ريم الحقيقية شخصية ريم بطلة القصة، واستمتعوا بذلك جدًّا.

8- أنشطة الحساب واللغة والعلوم والجغرافيا:

يتعلم الأطفال الكثير بطريقة غير مباشرة من خلال أحداث القصة، وترِد على أذهانهم الكثير من الأسئلة التي يطرحونها حول بعض العبارات أو الأحداث في القصة، ومن هنا يمكن استغلال القصة في إيصال مفهوم حسابي، أو علمي، أو لغوي، أو جغرافي، أو تاريخي للطفل، بطريقة سلسة ودون تعقيد.

على سبيل المثال، يمكن أن يتعلم الأطفال في مرحلة ما قبل الروضة العدَّ والحساب من خلال القصة، ويمكن أن يتعلم الطفل مفاهيم علمية ويجري تجارب معملية، وأن يتعرف على مناطق جغرافية جديدة، وأحداث أو شخصيات تاريخية. كل هذه المفاهيم قد تكون وردت بشكل مبسط جدًّا في سياق القصة، ولكنها أثارت تساؤلًا ما بداخل الطفل، ودفعته لتعلُّم المزيد عنها، وهنا يأتي دور الكِبار لتوفير أنشطة وأوراق عمل مناسبة وأجوبة عن مثل تلك التساؤلات.

كذلك يمكن استخلاص الكثير من الأنشطة اللغوية، بدءًا من تعلُّم الحروف والكلمات، ووصولًا إلى التلخيص والتأليف. على سبيل المثال، قصة “بيت بو- دار عالية” كانت مدعومة بالكثير من الأنشطة اللغوية الممتعة.

لا يمكننا حصر جميع الأنشطة المصاحبة للقصة، حيث يوجد الكثير والكثير منها، والتي يمكن استخلاصها من أحداث القصة، أو ابتكارها لتعزيز فهم الأطفال للقصة. وتتنوع هذه الأنشطة وتختلف على حسب كل قصة، وحسبما تُلهمنا القصة نفسها. 

أطلقي العنان لطفلك ليبتكر هو الأنشطة المناسبة التي يحبها، وفكّري أنتِ أيضًا في أنشطة جديدة ومبتكرة لإنهاء جلسة الحكي بطريقة لا تُنسى، وتبقى حاضرة في أذهان الصغار.

تختلف جلسة الحكي عن القراءة العادية للقصة، من حيث المدة والآلية والطريقة التي نستفيد بها من القصة. وجلسة حكي واحدة بالأسبوع مع أطفالكم أو أطفال أصدقائكم، ستغيّر الكثير فيهم، وستساهم بالكثير في تطورهم ونموهم، ودعم مهاراتهم اللغوية والاجتماعية والقرائية والفنية. قد يحتاج تنظيم ورشة أو جلسة حكي مع الصغار إلى بعض التفكير، لكن، وبمجرد دخولكم إلى هذا العالم الجميل، ستكتشفون الفرق، ولن تستطيعواالتوقف. جرّبوا، فالأمر يستحق!